نصر حامد أبو زيد

60

الاتجاه العقلي في التفسير

إليها فكر » 65 بمعنى أن العقل يستطيع أن يصل إلى كليات الأحكام المتصلة باللّه وصفاته من التوحيد والعدل ووجوب شكره ، كما أنه يمكن أن يعرف الحسن والقبح على الجملة . وتختصّ الشريعة بأنها تكشف له عن الطرائق التي يستطيع عن طريقها أن يؤدي هذه الواجبات العقلية . تختصّ الشريعة بأن تعرّف العقل مقادير الطاعات - كالصلاة والصوم والزكاة - ومواقيتها ، وهي أمور لا يستطيع العقل أن يعرفها ، وإن عرف - على الجملة دون التفصيل - وجوب رد الوديعة وشكر المنعم . غير أن القول بأسبقية الدليل العقلي على الدليل الشرعي ، واعتبار الأول أصلا ، والثاني فرعا ، لا يعني وجود التعارض بينهما ، فهما متفقان ومتطابقان إذ « ليس في القرآن إلّا ما يوافق طريقة العقل ، ولو جعل ذلك دلالة على أنه من عند اللّه ، من حيث لا يوجد في أدلّته إلّا ما يسلم على طريقة العقول ويوافقها ، إمّا على جهة الحقيقة ، أو على المجاز لكان أقرب » 66 غاية الأمر أن المعتزلة - لأسباب كثيرة بيّناها في أول هذا الفصل - حاولوا الاحتكام إلى العقل وحده واعتبروه أساسا لفهم الشريعة ، واعتبروا الشريعة مؤكّدة لما في العقول ومتفقة معه ، دون أن تكون هي وحدها الدليل على وحدانية اللّه وعدله وسائر الأحكام العقلية « إن سائر ما ورد به القرآن في التوحيد والعدل ورد مؤكّدا لما في العقول . فأمّا ان يكون دليلا بنفسه يمكن الاستدلال به ابتداء فمحال » 67 . ولكي يؤكد المعتزلة هذا الاتفاق بين العقل والنقل ، كان عليهم تحديد ماهية العقل والتعرّف على طبيعة الوسائل التي يمكنه عن طريقها الوصول إلى المعرفة اليقينية ، ثم تحديد طبيعة الأفكار التي يستطيع العقل - بمفرده - الوصول إليها . وتتحدد ماهية العقل عند المعتزلة بناء على تحديدهم لطبيعة وظيفته وحاجة الانسان الضرورية له . فإذا كان اللّه قد خلق الانسان لا لعلّة إلّا لنفعه 68 ثم جعل التكليف وسيلته إلى هذا النفع ، فمن الطبيعي أن يزوده بكل الوسائل التي تعينه على أداء ما كلّفه به . وكما زوّده بالقدرة التي يستطيع بها مزاولة الفعل أو الامتناع عنه ، فقد زوّده أيضا بالقدرة على معرفة ما كلّفه به وتمييزه ، وذلك حتى يتأتى منه الفعل على وجه الاختيار الناتج عن العلم بأحواله . وهذا الاختيار القائم على المعرفة والعلم هو مناط الثواب والعقاب والمسؤولية . وهكذا يصبح العقل ضرورة من ضرورات التكليف الإلهي للبشر ، وهو ضرورة بحكم مسؤولية الانسان وقدرته على الفعل . « اعلم أن المكلّف كما يحتاج أن يكون ممكنا من احداث الفعل بالقدرة والآلات ليصحّ منه أداء ما كلّف فكذلك يحتاج إلى أن يكون عالما بما كلّف وصفاته ، والفصل بينه وبين غيره ، ليصحّ أن يقصد إلى إحداثه ، وليصحّ أن يعلم